Articles de cette pageالتكامل المعرفي في المنظومة التربوية، ضرورته، وسبل إحلاله، "درس الفقه نموذجاً"التكامل المعرفي في المنظومة التربوية، ضرورته، وسبل إحلاله، "درس الفقه نموذجاً"Ajouté le 6/11/2010 بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد
التكامل المعرفي في المنظومة التربوية، ضرورته، وسبل إحلاله " درس الفقه نموذجاً " المبحث الأول: التفكك المنهجي في درس الفقه، محاولة التشخيص استقر منذ القديم في الفكر التربوي الإسلامي وفلسفة العلوم لدى المسلمين، فكرة وحدة المعارف والعلوم وانبناء بعضها على بعض، يقول أبو حامد الغزالي: "على المتعلم ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب... إن العلوم مترتبة ترتيبا ضروريا، وبعضها طريق إلى بعض"[1]. قال اليوسي "وليعلم أن العلوم داخل بعضها في بعض وليس أحد يكمل في شيء على ما ينبغي وهو جاهل بالبواقي ولا سيما العلوم الشرعية وهي المقصودة"[2] وأفاد الدكتور أحمد بدر "أن هناك مفهوماً أساسياً تكوّن عبر القرون بالنسبة للتصنيف العربي الإسلامي، وهو وحدة العلوم والمعارف الإنسانية"[3]، هذه الوحدة بين العلوم كما انعكست على التصنيف العربي الإسلامي، فإنها اقتضت الوحدة في أصل المنهج، تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن: "ومهما يكن حالنا، فالذي اطمأن إليه علم المناهج في عصرنا، هو أن العلوم والمعارف تلتقي في الأصول الأساسية للمنهج الاستقرائي العام، ثم يكون لكل نوع منها منهجه الخاص الذي تحدّده طبيعة المادة، ويكون لكل فرع من العلم الواحد، منهجه الأخص الذي تحدده خصوصية موضوعه..."[4]. والذي يعنينا في هذا المقام، من قضية الوحدة بين العلوم، هو الوعي بها في مجال التدريس، وإيجاد سُبل إحلالها تطبيقا في الدرس الفقهي. ما من شك في أن استحضار هذه القضية في التدريس خلال العهود الزاهرة للحضارة الإسلامية ليس موضع جدل، فثمة نصوص كثيرة للتربويين المسلمين تؤكد ضرورة مراعاة الترابط بين العلوم مما يقتضي ترتيبا منطقيا في تدريسها وتدرجا في تحصيل ثمراتها، قال في ترتيب العلوم "... ويغلط بعض الطلبة في ترتيب الفنون والقدر اللائق من السعي لكل فن، فيشرع في بعض الفنون قبل تحصيل ما يتوقف فهمه عليه، وقد لا يهتم لفهم فن تشتدّ الحاجة إليه، ويُطيل البحث فيما لا يكثر الاحتياج إليه، وأمثال هذه الترتيبات الردية مدار تنزلهم وعدم وصولهم إلى مقاصدهم.."[5]، وينصح أبو حامد الغزالي لطلبة العلم بقوله: "لا تستغرق عمرك في فن واحد طالباً الاستقصاء فيه، فإن العلم كثير والعمر قصير"، وقال أيضا: "من وظيفة طالب العلوم أن لا يدع شيئا من العلوم المحمودة إلا ينظر فيه نظرا يطلع به على مقصده، فإن العلوم متعاونة، وبعضها مرتبط ببعض، ثم يشرع في طلب التبحر في الأهم فالأهم"[6]. غير أن هذه الحقيقة التربوية، قد غابت عن التدريس الشرعي في القرون الأخيرة -التي هي عهود الانحطاط التربوي والثقافي- وأضحت السمة البارزة عليه هي التفكك في تلقين وحدات العلم الشرعي، واستمر الفصال بين العلوم معمولاً به في النظام التربوي المعاصر، ومردّ ذلك إلى الجمود وقلة الابتكار وإعطاء المقام الأول للمعرفة الجاهزة. لقد كان يُنظر إلى كثير من العوم على أنها بلغت من الكمال والدقة بما لا مزيد عليه، فوصفوها بأنها علوم نضجت واحترقت، وعلم الفقه واحد من تلك العلوم، وإذا كان علم الفقه –حسب هذا التصور- قد بلغ حدّ الكمال، فإنه سيصبح غاية في حدّ ذاته، أي يفرض على الطلبة تحصيل معطياته ومفرداته بكل دقة واستيعاب كما أنتجها السابقون، والأمر نفسه بالنسبة لأصول الفقه بعد أن تقعدت قواعده وانحصرت مباحثه، ليس على الطلاب إلا حفظ رسومه وتحصيل معلوماته كما هي مسطورة في كتبه المعتمدة، وهكذا في كل علم من علوم السلف. الحصيلة من هذا الفهم التربوي التقليدي، هي النظر إلى المعرفة على أنها غاية في حدّ ذاتها، ثم تلقينها بطريقة مفككة وتجزيئية من خلال الفصل التام بين المواد الدراسية، فأصبح للفقه أستاذه الخاص وكتبه الخاصة ومواضيعه المعهودة، ويصبح لأصول الفقه كذلك أستاذه الخاص وكتبه ومواضيعه، وللبلاغة والحديث والعقيدة مثل ذلك. ومن ثمة تعود فكرة وحدة العلوم والمعارف وترتب بعضها على بعض غائبة تماما في المجال التربوي التطبيقي، وإن كانت حقيقة مسلمة وبدهية في المجال النظري المجرّد، "ولا يقف هذا الأمر على مجرّد بناء (البرامج) بصورة منفصلة، ولكنه يمتد أيضا ليظهر بشكل واضح في أسلوب التدريس والذي يعتمد على الانفصال...، وأصبح خبراء المناهج في موقف صعب لا يستطيعون فيه إصدار قرار بشأن ما يختار من محتوى المعارف وما يترك جانبا، ويصاحب هذا أيضا تكرار في موضوعات بعض الكتب الدراسية... وكما يحدث التكرار في مستوى الصف الواحد نجده يحدث أيضا في مستويات عدة، مما يؤدي إلى تقديم الموضوع الواحد بصورة مجزأة لا يستطيع التلميذ معها أن يدرك الصورة الكلية لما يُراد تعلمه. ولعل ذلك يشير إلى أن تقديم المعارف في صورة مفتتة ومتناثرة سعيا وراء تعليم جزئيات المادة واجتياز الامتحان لا يُساعد على تحقيق ما تسعى إليه عملية التربية من أهداف، إذ إنها لا تترك بصماتها بالقدر الكافي على بناء شخصية الفرد..."[7]، "ويرجع جوهر هذا النقد إلى أن المعلم في تنفيذه لمناهج المواد الدراسية المنفصلة لا يحقق أهداف تنمية التفكير والقدرة على النقد البنّاء والابتكار على نحو مقصود، وإنما تترك للصدفة وللاجتهاد الشخصي للمعلم، وللاستعداد الشخصي للمتعلم والظروف الأسرية المتاحة له"[8]. وسأحاول بيان الانفصال بين الفقه والمواد الدراسية الأخرى في المطلبين الآتيتين: المطلب الأول: انفصال تدريس الفقه عن باقي العلوم الشرعية الفصل بين المواد الشرعية في التدريس هو امتداد للحالة الرديئة التي أفرزتها قرون الانحطاط الثقافي، حيث يتلقى الطالب كافة وحدات العلم الشرعي لكنه لا يدرك الروابط بينها، ولا يُحسن الإفادة من محصلاتها والتركيب بينها في إنتاج معرفة جديدة. إذا كانت بعض العلوم لا تظهر فيها اختلالات هذا المنهج بجلاء –نظرا لطبيعتها التثقيفية والتربوية كالسيرة النبوية وعلم السلوك- فإن أكبر ما يظهر فيه الخلل هو الفقه لأنه الثمرة المتوخاة من كل تلك العلوم فهو المقصد وكل العلوم إنما هي وسائل إليه. قال شهاب الدين القرافي في مقدمة موسوعته الفقهية: "وأنت تعلم أن الفقه وإن جلَّ إذا كان مبددا تفرّقت حكمته، وَقَـلَّتْ طلاوته، وضعفت في النفوس طِلبته، وإذا رتبت الأحكام مخرجة على قواعد الشرع، مبنية على مآخذها نهضت الهمم حينئذ لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها..."[9]. إن التخريج على قواعد الشرع وبيان المآخذ، ليس إلا استثمار محصلات ونتائج العلوم الشرعية في الوصول إلى المعرفة الفقهية. أولاً: الفصل بين العقيدة والشريعة: الأولى هي التي جاء الوحي يكلف الإنسان بتحملها بالإنجاز السلوكي، ومن حيث الأصل -كما قال الدكتور عبد المجيد النجار- "فإن الشريعة والعقيدة وجهان في الدين لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما إلا في الاعتبار لأغراض دراسية"[10]، ولعل هذا الفصل على المستوى الدراسي -خصوصا في عهود التقليد- هو الذي جعل كل واحد من العلمين يشق طريقه بأدبياته وتقاليده الخاصة بمعزل عن الآخر، هذا التجافي بين العلمين أثر على الإنتاج الفقهي وجعله في كثير من الأحيان ينزع إلى الشكلية القانونية ويخلو من القيم الروحية المستمدة من عقيدة الإسلام، ولعل باب الحيل في الفقه أكبر شاهد على ذلك. زيادة على ذلك، فإن فصل الفقه عن العقيدة في التدريس، يجعله أحكاما تنظيمية خاصة بالمسلمين، في حين لو انطلق الدرس الفقهي من الأسس العقدية لكان خطابا عاما موجها للإنسان وهداية تستهدف البشرية جمعاء، لأن العقيدة تتسم بالشمول، فهي دعوة عالمية تحدد فلسفة الإنسان وتصوراته حول الوجود. بهذا الاعتبار يكون الفقه الإسلامي نظاما قانونيا موجها لكل الناس مؤمنهم وكافرهم، وينفتح بشأنه حوار عالمي. وإنك لتلاحظ كيف ضيق مسلمو هذا الزمان الخناق على الفقه الإسلامي، فحولوه من هداية عالمية لكافة الناس إلى أحكام عملية للمسلمين فقط، ثم بعد أن لم يعد لأكثره تطبيق عملي على أرض الواقع، أصبح معرفة جزئية خاصة بطلاب العلوم الشرعية، وقليل منهم من يُحسن التعبير عنه والإبداع فيه. ثانياً: الفصل بين الفقه والحديث هذه مشكلة قديمة في الثقافة الإسلامية عبر عنها بجلاء العلامة أبو سليمان الخطابي البُستي (ت 388ﻫ) حيث قال: "ورأيتُ أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين، وانقسموا إلى فريقين: أهل حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر خراب... وأما الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على قلة ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها"[11]. وإن الفصل بين الحديث والفقه كان موضع نكير شديد عند الرعيل الأول من العلماء حتى إنه أثر عن سفيان الثوري وابن عيينة وعبد الله بن سنان أنهم كانوا يقولون: لو كان أحدنا قاضيا لضربنا بالجريدة فقيهاً لا يتعلم الحديث ومحدثاً لا يتعلم الفقه[12]. في عهود التقليد المذهبي استقرت الأقوال الفقهية، وجمد كل أهل مذهب على ما بأيديهم من فروع، ولم يلتفتوا إلى الاستنباط من الحديث أو حتى مراجعة استنباطات السابقين على ضوء ما استجد في الحديث وعلومه بعد انتشار المصنفات الحديثية والحسم في درجات أحاديث الأحكام بالتصحيح والتضعيف. فأصبحت الدراسة الحديثية إلى يومنا هذا نظرية بحتة، فمن يحفظ متون الأحاديث إنما يحفظها لمجرد العلم والتبرك بها، ومن يشتغل بمصطلح الحديث إنما يشتغل به لذاته أو لينخرط في سجالات نظرية بين الماضين من العلماء. من الآثار السيئة لهذه الهوة المعرفية بين الفقه والحديث على الدرس الفقهي، الاستمرار في اعتماد الأحاديث الضعيفة في الفقه نظرا للجمود على المذهب وعدم الاعتناء بالأصول النصية للحكم الفقهي، وإن كانت هذه مشكلة قديمة، فإن نتائجها لا تزال مستمرة "ففي قواعد المقري: (حذّر الناصحون من أحاديث الفقهاء)، وقال جلال الدين القزويني لأبي موسى ابن الإمام ما أحسن فقه قاضيكم (يعني عبد الوهاب) لولا ما يحتج به من الحديث الضعيف، فقال أبو موسى، شيخكم (يعني الغزالي) أكثر احتجاجا به"[13]، وها هي كتب القاضي عبد الوهاب البغدادي تُعتمد اليوم في التدريس الفقهي دون مراجعة أو إعمال لقواعد مصطلح الحديث في تنقيحها، ومنها كتابه "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، وهو يتضمن الكثير من الأحاديث الضعيفة، زيادة على جموده على المذهب المالكي والانتصار له في كل الأحوال. من الآثار السلبية أيضا أن وظيفة الحديث في الدرس الفقهي أضحت استشهادية وليست استنباطية، والفرق بين الوظيفتين كبير جدا، فوظيفة الاستشهاد بالحديث تعطي للسنة النبوية مرتبة متأخرة لا تليق بها، إذ ينطلق الدرس من الأقوال الفقهية باعتبارها معرفة جاهزة وسابقة، ثم يؤتى في آخر المطاف بحديث رسول الله e شاهدا ومؤكدا للقول الفقهي المختار، وهي زيادة على كونها طريقة معكوسة في التعامل مع مفردات العلم الشرعي ولا تنتج ملكة صحيحة للاشتغال الفقهي، تتضمّن سوء أدب مع رسول الله e إذ تقدم أقوال المجتهدين على سنته عليه الصلاة والسلام )يَا أَيُها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِّ الله وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَميعٌ عَلِيمٌ( [سورة الحجرات، الآية: 1]. ثالثاً: الفصل بين الفقه وأصوله هذه إحدى الغرائب الكبرى في نظام التدريس ا Tags : |
| Créer un blog | Contacter l'auteur | |
|